نخبة من الأكاديميين
558
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
عمد خلفاء الخوارزمي تدريجيّاً إلى تطبيق علم الحساب على الجبر ، والجبر على علم الحساب ، وبتطبيق كلّ من هذين العلمين على علم المثلّثات ، وبتطبيق الجبر على النظريّة الأقليديّة للأعداد ، والجبر على الهندسة ، والهندسة على الجبر . وقد شكّلت هذه التطبيقات دائماً ، الأفعال المؤسِّسة لموادّ رياضيّة جديدة أو لفصولٍ جديدة . فهكذا أبصر النور كلٌّ من جبر كثيرات الحدود ، والتحليل التوافيقي ، والتحليل العددي ، والحل العددي للمعادلات ، والنظريّة الجديدة الابتدائيّة للأعداد ، والبناء الهندسي لحلول المعادلات . وقد كان لهذه التطبيقات العديدة ، نتائج أخرى ، مثل انفصال التحليل الديوفنطسي الصحيح عن التحليل الديوفنطسي المُنطَق ، الذي أصبح فَصْلًا من فصول الجبر بكلّ ما للكلمة من معنى ، يحمل عنوان " التحليل غير المحدّد " . بدءاً من القرن الثالث ه - / التاسع م ، لم يبقَ المشهد الرياضي إذن على ما كان عليه من قَبل ؛ فقد أخذ يتحوّل وأخذت آفاقه تتّسع . بدأ أوّلًا التوسّع في علمَي الحساب والهندسة الهيلّينستيَّيْن . وقد تناول هذا التوسّع نظريّة القطوع المخروطيّة ، ونظريّة المتوازيات ، والدراسات الإسقاطيّة ، والطرائق الأرخميدسيّة لقياس المساحات والحجوم المنحنية ، ومسائل تَساوِي المحيطات ، والتحوّلات الهندسيّة . وانكبّ على دراسة هذه الميادين كلّها علماءُ الرياضيّات الأكثر كفاءة ( ثابت بن قرّة ، والقوهي ، وابن سَهل ، وابن الهيثم وغيرهم ) وتوصّلوا ، عِبر أبحاثٍ عميقة ، إلى تطويرها بأسلوب أسلافهم نفسه ، أو بتعديل هذا الأسلوب عندما تدعو الحاجة . ومن جهة أخرى ، تكوّنت في أحضان هذه الرياضيّات الهيلّينستيَّة ، " مناطِقٌ " لرياضيّات غير هيلّينستيَّة . هذا المشهد الجديد هو ما سوف نرسم ملامحه ، ببعض الخطوط العريضة ، في ما يلي من الصفحات ، لكن وبالطبع ، دون أيّ ادّعاء باستنفاد هذا الموضوع . أوّلًا : الجبر . . . . 1 . كتاب الخوارزمي الذي يحمل عنوان " كتاب الجبر والمقابلة " ، الذي صدر في بغداد بين العامين 197 ه - / 813 م و 215 ه - / 830 م ، هو أوّل كتاب تظهر فيه كلمة " الجبر " في عنوان . تدلّ كلمتا " الجبر " و " المقابلة " ، في الوقت نفسه ، على مادّة علميّة وعلى عمليّتَيْن ؛ فإذا كانت لدينا المعادلة x 2 G c bx / d حيث c › d › 0 ، على سبيل المثال ، يقضي " الجبر " بنقل التعابير الطَرحيّة من طرفها إلى الطرف الآخر لتُصبح x 2 G c / bx G d ، وتقضي " المقابلة " باختزال الحدود المتساوية فتُصبح المعادلة على الشكل التالي : x 2 G ( c d ) / bx . هدفُ الخوارزمي واضحٌ في هذا الكتاب ، لم يسبق أن تصوَّره أحدٌ من قبل ، وهو إعداد نظريّة